وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ أبنا ــ إن بعض شهداء الدفاع عن المقدسات – الذين تحضر عائلات عدد منهم اليوم بيننا – هم ممن شاركوا سنواتٍ في الحرب المفروضة، وكانوا يتمنون أن ينالوا الشهادة، لكنها لم تُكتب لهم آنذاك. وما إن رأوا أن باب الجهاد والشهادة ما زال مفتوحًا، حتى كأنهم حلقوا إليه، فذهبوا ونالوا الشهادة. وهذه من القيم العظيمة التي ينبغي لكم – أيها الأُسر الكريمة – أن تدركوا منزلتها قبل غيركم. كما يجب على جميع أبناء شعبنا أن يعرفوا قدر هؤلاء الأعزاء، وأن يقدّروا صبركم أنتم أيضًا، إذ تحملتم هذه المصائب، وصبرتم على مشقة فراق أحبائكم ابتغاء مرضاة الله.
لقد كان الجميع يظن أن باب الشهادة قد أُغلق بعد انتهاء الحرب المفروضة، لكن تبين أن الأمر ليس كذلك؛ «كلُّ يومٍ عاشوراء، وكلُّ أرضٍ كربلاء»، فباب الشهادة مفتوح دائمًا، غير أن هذا التوفيق لا يناله الجميع. لقد كان هناك أناس – وكنا نحن منهم – شاركوا في العمليات العسكرية وفي الحرب، لكننا لم نُرزق هذه السعادة، ولم ننل هذا الشرف. بينما مضى آخرون وفازوا بهذه المنزلة العظمى، ونسأل الله تعالى أن يرفع درجاتهم.
بعد انتهاء سنوات الدفاع المقدس، التي كان شبابنا يحضرون فيها إلى ساحات القتال بشوق ورغبة، واستشهد كثير منهم، فيما كانت عائلاتهم تتحلى بالصبر، ظن البعض أن تلك المرحلة قد انتهت، وأن تلك الروح لم تعد موجودة، بل قال كثيرون إنها كانت مرحلة استثنائية وانقضت. لكن السنوات الأخيرة أثبتت خطأ هذا التصور، وأظهرت أن شبابًا مؤمنين، مفعمين بالحماس، مخلصين ومضحين، ما زالوا مستعدين للوقوف بكل شجاعة دفاعًا عن الحق، وعن الحقيقة، وعن مراقد أهل البيت (ع)، وأن يبذلوا أرواحهم في سبيل ذلك.
إن هذه الأسر فقدت أعزاءها في هذا الطريق. وعلى أي حال، فإن الموت آتٍ لا محالة، ولا يفرّق بين شاب وشيخ. فكما ترون، قد يتعرض شاب في الخامسة والعشرين أو الثلاثين أو الخامسة والثلاثين من عمره لجلطة أو مرض أو سرطان، فيرحل عن الدنيا. ومثل هذا الموت أيضًا يكون فيه أجر لوالديه، ولزوجته وأبنائه، ولكن أين هذا الموت من ذلك الموت! فهذه شهادة في سبيل الله، وهذه حياة عند الله، في ظل نعمه ورزقه، وهي منزلة عظيمة نتمنى جميعًا أن ننالها. وأنا شخصيًا أرى نفسي أصغر شأنًا من هؤلاء الشهداء ومن هؤلاء الشباب، فهم أفضل منا، وهم سبقونا إلى هذه المنزلة. وأنتم – أيها الآباء والأمهات – بما قدمتموه من تضحية، أنتم أيضًا متقدمون علينا. فمن السهل أن نقول جميعًا إننا مستعدون للتضحية في سبيل الله، لكن الكلام وحده لا يكلف شيئًا؛ أما عندما يحين وقت العمل، فهناك يتبين من هو المؤمن حقًا، ومن هو الصادق، ومن هم الذين ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. لقد أثبتم – أنتم الآباء والأمهات والزوجات – هذا الصدق في الامتحان العملي، وأثبتُّم أنكم عندما قلتم: «نحن مستعدون للتضحية في سبيل الله»، كنتم صادقين في قولكم. فطوبى لكم، ونسأل الله تعالى أن يتقبل منكم، وهو – إن شاء الله – متقبل لذلك.
..........
انتهى/ 278
تعليقك